حيدر حب الله

52

بحوث في فقه الحج

الثاني : ما ذكره الدكتور وهبة الزحيلي عن الشافعية من التمسّك بدليل الاتّباع والتأسّي ، وهو ما يمكن استنتاجه من كلمات ابن حزم الأندلسي من أنّ البعد - وهو يشمل ما نحن فيه - عملٌ بخلاف فعل رسول الله عليهماالسلام ومن ثم فهو غير جائز ، وقد تقدّمت كلماتهما آنفاً . إلّا أنّ هذا الوجه قابل للتأمّل أيضاً ، وذلك : أوّلًا : إن الاقتراب من البيت هو مقتضى الأداء الطبيعي للطواف بالبيت المأمور به شرعاً ؛ ولهذا فإنّ قيام المعصوم عليه السلام به لا يدلّل على خصوصيةٍ دينيّة ؛ وذلك لأنّ الفعل الذي توجد له مبرّرات طبيعيّة واضحة ، يكون احتمال نشوئه من دوافع دينية بعيداً ، أو لا أقلّ لا يصل إلى حدّ الاطمئنان والتأكّد كما هو مبحوثٌ في دراسات علم أصول الفقه ، وهذا من شأنه أن يفسّر لنا السبب في تركيز الرسول على الاقتراب من البيت ، ومن ثمّ يعني أنّ ما نحن فيه لا يوجد ما يؤكّده بالمعنى المطروح في الاستدلال . ثانياً : إنّ الاقتراب من البيت من أهمّ المستحبّات المعروفة بين المسلمين جميعاً ، وهذا من شأنه أن يفسّر لنا السبب في تركيز الرسول عليهماالسلام على الاقتراب من البيت ، ومن ثم فلا يكشف لنا - وبدرجةٍ واضحة - عن حكم وجوبيّ في كون الطواف داخل المسجد ؛ لأنّه لا يتحدّث عن عنوانٍ كهذا ، وبعبارة أخرى : إنّ استحباب الاقتراب من البيت استحباباً مؤكّداً يمكنه أن يفسّر لنا السيرة التي كان يجري عليها الرسول عليهماالسلام ، ومن ثم فلا يكون تفسير هذه السيرة مختصّاً بالوجوب حتّى يكون التأسّي تأسّياً بأمرٍ واجب كما هو المدّعى . الثالث : ما أشار له ابن حزم أيضاً من العبثية في الابتعاد عن البيت كما تقدّم « 1 » . وهذا الوجه يمكن الملاحظة عليه : أولًا : إنّ الابتعاد عن البيت قد يكون لرغبةٍ في إطالة الطواف بغية المزيد من الفعل المحبوب لديه تعالى ، أو لرغبةٍ في الإكثار من الذكر الممدوح حال الطواف ، وهذا - وغيره - مبرّرٌ كافٍ لرفع العبثيّة المفترضة هنا .

--> ( 1 ) . مصدر سابق : 181 .